رفوف الرعاية، ووقت مستعار
عتبة باب، وجدول بيانات، وعضلات نسيت المدينة أنها تمتلكها
اقرأ المزيد ←
رسالة استقالة مايا وصلت بلطفٍ دراميٍ لا يتعدى إشعار بريد إلكتروني. الساعة 9:12 صباحًا - لحظةٌ عاديةٌ لدرجة أنها قد تتلاشى من الذاكرة. ومع ذلك، ارتفع ثقلٌ من صدرها، ليحل محله فراغٌ جامحٌ مرتجفٌ. ماذا فعلت؟ ما زال مصباح مكتبها دافئًا. لقد برد عطر الشاي الخفيف بالليمون، لكن الساعة على معصمها تنبض بوضوح. حزمت حقيبتها بيدين مرتجفتين، فيما تسرب رمادي الخريف للمدينة من فتحات الستائر. ثم، بلا سبب سوى مجرد كونها تتنفس، قررت: سيكون هذا هو اليوم لكل ما تخشاه.
على مقعدٍ بالخارج، بينما تتجاوزها الحافلات المتنهدة، تضغط مايا رقم والدها. تحدّق في السماء الزرقاء المضاءة، وفمها جافٌ. يرن الهاتف ببطءٍ وتردد، ثم يجيب - يمتد الصمت الساكن بينهما، الجرح غير مرئي لكنه يؤلم. 'إنها مايا'، تمكنت من القول. 'مرحبًا يا أبي.' صمتٌ آخر، ثم سعال. 'يا ابنتي... هل أنتِ بخير؟' تبدأ المحادثة متصلبة، محرجة. تذكر الطقس. يقول إن والدتها ما زالت تعد الكثير من الحساء. تقترب كلماتهما شيئًا فشيئًا، كقططٍ ضالةٍ تتعلم ألا تفزع. ثم تنطلق ذكرى حرة: الصيف الذي أقنعته فيه بأن تمثال قزم الجار حيٌ. لأول مرة منذ سنوات، يضحكان - بهدوء، بحذر - على صورة قبعةٍ خزفيةٍ تتمايل على الممر. عندما يودعان بعضهما، يؤلمها حلقها بدموعٍ لا تسمح لها بالسقوط.
على بعد بناية واحدة، يتوهج استوديو الفخار في مواجهة الشارع. تتردد مايا عند الباب، يداها تتقلبان في جيوب معطفها. لقد وضعت هذا الدرس في قائمة اهتماماتها لسنوات؛ اليوم، تشعر بالانكشاف، كل خطوة إلى الداخل محفوفة بالمخاطر كالغوص من منحدر. تفوح من الغرفة رائحة الأرض وصابون اليوكالبتوس لليدين. المدرس، بشعرٍ فضيٍ معقودٍ في وشاح، يحييها بإيماءة. 'أنتِ جديدة. اجلسي، حاولي.' تدع مايا الصلصال يدور ويتمايل. تنهار محاولتها الأولى، ويتسرب الطين بين أصابعها. تضحك، مرتعشة، وتكاد تقف لتهرب، لكن المدرس ينحني عليها، صوته كالدخان والعسل: 'تتعلمين الشكل بالتحرر من القيود.' يعاد ترتيب العالم بين أطراف أصابعها.
تمر ساعة الغداء في موكبٍ من الغيوم وأضواء معابر المشاة. تجد مايا 'ليلى' في مقهى، زاوية جلوسهما المعتادة غارقةٌ بضوء الذهب المتسرب من شمس الظهيرة. رائحة القرفة والكمثرى المخبوزة تعقد معدة مايا. كادت تغادر - لكن ليلى لمحتها ولوّحت بيدها. تحدثتا في خيوطٍ ناعمةٍ متعرجة - إحباطات مشتركة، طغيان محادثات المجموعات. في لحظة هدوء، تندفع مايا قائلةً: 'هناك شيء يجب أن أقوله. أعتقد أنني أحببتكِ. أكثر من مجرد صديقة - لفترة طويلة.' ترمش ليلى، متفاجئةً. تتبع أصابعها دوائر بطيئة على قدحها. 'هذا... لم أكن أعرف،' تقول بلطف. 'أنا أهتم بكِ أيضًا، لكن - لست متأكدة من أنه الأمر ذاته. هل تمانعين أن نبقى نحن، هكذا فقط؟' وخزٌ حاد، ثم راحة، كالمطر يلتقي بالنهر. 'أود ذلك،' تقول مايا. وبشكل غير متوقع - كانت تعنيها.
تسير إلى معرضٍ صغيرٍ مرت به لأشهر لكنها لم تدخله قط. لافتته، الزرقاء المتقشرة، تقول: دعوة مفتوحة. ملفها الفني نصفه رسومات تخطيطية، ونصفه طموحٌ متلعثم. في الأعلى، دسّت مذكرة استقالتها الواضحة، محتاجةً لشيءٍ يشدّ الظرف الكبير. في الداخل، تتلألأ الجدران البيضاء بضوء بعد الظهر. تنتظر - المنسقة، امرأة مكثفة بنظارات بلون الشمندر الأحمر، تتصفح أعمالها دون أن تتكلم. تسقط رسالة الاستقالة. تحدّق المنسقة، ثم تبتسم. 'فنانٌ يترك راحة المألوف - بيانٌ يستحق القراءة.' قبل أن تتمكن مايا من التأتأة بتصحيح، تقول المرأة: 'سنقيم معرضًا مؤقتًا الشهر المقبل. كوني جريئة، أحضري هذه الأعمال - وبيانك.' تغادر مايا، تشعر بالدوار، مكشوفةً ومشاهَدةً في آن واحد.
المساء هو فكٌ رخوٌ يرتخي. تقف عند كشك تذاكر يضج برغبات المسافرين، تتشابك أشعة الشمس في شعرها. باندفاع، تشتري تذكرة ذهابٍ فقط، وتدع الوجهة - مدينة ساحلية صغيرة بحثت عنها على جوجل لتهب فيها الرياح وتسودها الهدوء - تختارها. عند الغروب، يجلد هواء البحر خديها. تسير مايا على الرصيف الطويل وحذاؤها في يدها، أصابع قدميها تخفق بالبرودة على الألواح، والملح يلسع أنفها. لم يحل اليوم شيئًا - لا فواتيرها، ولا ألم قلبها، ولا ترتيب الغد. لكنها تحصي، في سكون الأمواج المطرد: مكالمة هاتفية محرجة واحدة، وعاءٌ واحدٌ مدمر، اعترافٌ صريحٌ واحد، بابٌ مفتوحٌ واحد، قفزةٌ واحدةٌ نحو المجهول. تدس القائمة على أضلاعها - سجلٌ للمخاطر الصغيرة المخلصة. يأتي الظلام لطيفًا وكاملاً. ينظر المحيط إليها، غير مطالبٍ بشيء. تتنفس مايا، وتدع الخوف يتدحرج مع المد، وتجد نفسها مستعدة للبدء من جديد.