رفوف الرعاية، ووقت مستعار
عتبة باب، وجدول بيانات، وعضلات نسيت المدينة أنها تمتلكها
اقرأ المزيد ←
لم يلاحظ يونا قطّ حقًا كيف يتجمع الضوء حول كرسي غرفة الطعام في تمام الساعة الثالثة، إلى أن وجد نفسه يوضب الشقة على فترات منظمة وهادئة. كل شيء: مرتب، موسوم، مطوي داخل صناديق. كانت هذه هي الطريقة الوحيدة لإبعاد الهلع، لقياس الوجود بالكوب - السكر، الجوارب، ضوء الشمس الخافت.
في المساء، كان لا يزال يمشي إلى مقهى الزاوية، يداه عميقتان في سترته، خطاه تعدّ الشقوق. ولكن الليلة، انفتح الدرج - درجٌ كان عالقًا منذ قبل مرض مايا - بانزلاق يصحبه تنهيدة غير مبالية. في داخله: بطاريات منتهية الصلاحية، قصاصات تذاكر، وهاتفه القديم. الهاتف الذي تركه دون لمس منذ اليوم الذي اتصلت به فيه لتعيده إلى سريرها في المستشفى بصوتها الذي أصبح أجشّ وعذبًا على الحواف.
قلبه في كفه، كان باردًا وأثقل مما تذكر. أعطت البطارية، بمعجزة، شحنة أخيرة. وهناك، وسط الرسائل الصوتية القديمة من أطباء الأسنان والأصدقاء البعيدين، تسجيل وحيد، سُجّل عنوانه بخط مايا الراقص: ليونا - عندما تكون مستعدًا.
ابتلع ريقه - ثم وضعه جانبًا، سار في نمط حول المطبخ، فتح الخزائن فقط لسماع صوت إغلاقها. لمدة ثلاث سنوات، كان يطوف حول تلك الرسالة كحيوان خجول. ولكن الليلة، شعرت المساحة بأنها خالية من الأعذار.
ضغط زر التشغيل.
صوت مايا، عذب كالعسل وحيوي. "يونا، حبيبي. أعرف أنك تستمع لأن شيئًا ما ثقيل جدًا أو هادئ جدًا. لذا - افعل هذه، من أجلي. من أجلك." نفس مهتز على التسجيل. "أولاً: اذهب إلى المنتزه واجلس على مقعدنا. أنت تعرفه."
توقف التسجيل، واضطر يونا إلى الضحك - ضحكة يائسة، دافئة بشكل مؤلم على يقينها.
ذهب. في شوارع تغمرها عتمة الغبار الرمادي، وأوراق الشجر تتلألأ رطبة على طول الرصيف. انحنى المقعد تحته، ونهضت أطراف الكتب الورقية القديمة مطمئنة من الذاكرة البعيدة. على المقعد، وجد ورقة مطوية - والأغرب أنها لم تكن موجهة إليه.
لمن يحتاج: اترك عملًا لطيفًا خلفك. تخيل أنني أنتظر، لأرى ما ستختاره. مكتوبة بحبر أزرق، بنفس القلوب العشوائية التي كانت ترسمها على قوائم تسوقهما.
ترك الورقة تستقر تحت كفه لوقت طويل. ثم، بشكل غير متوقع كفواق، بحث في جيبه وأخرج آخر حبة دواء للسعال - وضعها على الخشب. إشارة طفولية، لكن العالم اهتز بشكل أقل توترًا بقليل.
جاءت التعليمات التالية عندما ضغط زر التشغيل مرة أخرى: "افتح الترمس. الأخضر."
عودة إلى الشقة، بحث في الصناديق، فك غطاء الترمس المهترئ الذي كانت تحمله في كل ليلة متأخرة، وفي كل جلسة ارتجالية لمراقبة النجوم. في الداخل، كانت زهرة برية قد ضُغطت مسطحة بين منديلين - لونها باهت لكنها عنيدة. بجانبها، قصاصة ورق:
أتتذكر ضفة النهر؟ افعل شيئًا شجاعًا لغريب.
في ذلك المساء، سار يونا إلى ضفة النهر، غروب الشمس يلتهم الأفق في فسيفساء من المشمشي والحبر. جلس شخص على حافة النهر - امرأة، منكمشة في معطف قماشي قديم، وكلب نائم عند قدميها.
تردد. ثم، ممسكًا بالترمس، جلس بجانبها. لبعض الوقت، كان الصمت كله جريان ماء وتغريد طيور.
"زوجتي كانت تحب هذا المكان،" قال بصوت خافت. صمت. ثم ضحكة بدت منهكة. "وأنا كذلك. فقدتها الشتاء الماضي."
تحدثا. ليس عن الموت بالضبط، بل عن الطقس، وعن التفاصيل العنيدة - حبها للبابونج، والطريقة التي يحزن بها الخريف مرارًا وتكرارًا ثم يفاجئك بيوم ذهبي واحد.
عندما نهض يونا أخيرًا، بدا الهواء كأنه كدمة لكنه أخف. ناولته المرأة حصاة، ناعمة ورمادية كالصخر الزيتي. "للمؤانسة،" قالت.
سار إلى منزله تحت سماء تنثر النجوم. عادت الثواني العشر الأخيرة من رسالة مايا الصوتية تتكرر في رأسه: "تظن أنك وحيد. لست كذلك، يونا. تركت هذه الملاحظات في كل مكان - بعضها للأصدقاء، وبعضها لأي شخص. أردت تحويل فقداني إلى درب من التحديات. إذا كنت تستمع، اترك شيئًا خلفك. ثم - امضِ قدمًا."
ملأ يونا الترمس بالقهوة صباح اليوم التالي وعاد إلى المقعد. لم تبقَ أية ملاحظة؛ فقط أثر أقدام شخص ما في العشب الناعم بالندى. لأول مرة، لم يبدُ المقعد الفارغ كاتهام، بل كدعوة - مفتوحة على مصراعيها، تنتظر أي شيء، أي شخص، يأتي بعد ذلك.
جلس. انتظر. جرى النهر. لم يخبره أحد كيف كان من المفترض أن تنتهي القصة، فقط أنها أصبحت له الآن، ليواصل المضي قدمًا.