ليلى والمغامرة بلا تصنيفات
مهمة في المدينة حيث كل قطعة لها أهميتها
اقرأ القصة ←
في يوم الرحلة، شاهد جمال الحافلات الكبيرة وهي تبتعد من دونه. كانت النوافذ تلمع بأيدٍ ملوّحة. ورائحة الديزل والرصيف المبلل تملأ الهواء. دسّ ورقة الموافقة في جيبه بعمق، رغم أن الأوان قد فات.
كانت أمه قد شرحت له الأمر على طاولة المطبخ في الليلة السابقة. كانت الأضواء خافتة، والمجلى يصدر همهمة خفيفة. قالت وهي تربت على مفاصل أصابعه كما تفعل عندما تكون آسفة: "لا يمكننا الذهاب هذه المرة يا حبيبي".
الآن، انعطفت الحافلات عند زاوية الشارع. وعمّ الهدوء موقف السيارات. حدّق جمال في علامات الإطارات الداكنة وكأنها خطوط على خريطة تقود إلى مكان لا يستطيع الذهاب إليه.
شدّت يد صغيرة كُمَّه. قالت ليلى: "مرحباً يا قائد". كانت في السادسة من عمرها ولها ضفيرتان مائلتان. "خريطة كنزنا لم تكتمل بعد". رفعت ورقة مجعدة عليها نجوم معوجة وعلامة X عملاقة بجانب حوض الطيور.
خرج نفس جمال في زفرة طويلة. ثم عاد وارتفع كالشرارة. فرك عينيه ووقف منتصباً. قال: "حسناً، إذا لم أستطع الخروج إلى هناك، فسأقود رحلة استكشافية هنا".
سحب دفتراً من حقيبته. وكتب ثلاثة أسطر مرتبة:
وضع خطاً تحت كل جملة. شعر بقوة وثبات الحروف في يده.
فرشا الخريطة على درجات الشرفة. دفّأت شمس الصباح الخشب. وقلب نسيم خفيف زاوية الورقة وكأنه يريد أن يقرأ معهما.
سألت ليلى: "هل أحضرنا وجبات خفيفة؟"
قال جمال: "ضرورية". حضّر شرائح التفاح، وبسكويت زبدة الفول السوداني، وزجاجتي ماء. أضاف عدسة مكبرة، وبعض الخيوط، وعلبة حبوب الإفطار، وشريطاً لاصقاً، ومرآتين صغيرتين من علبة مكياج قديمة لم تعد والدتهما تستخدمها.
رسمت ليلى خطاً أزرق سميكاً للرصيف، ومربعاً أخضر للحديقة المجتمعية، وشريطاً فضياً متموجاً للجدول. أعلنت وهي تنقر على علامة X: "نبدأ من حوض الطيور".
عند حوض الطيور، كانت دعسوقة تبحر على ورقة شجر كقارب أحمر صغير. ركع جمال وشاهد قوقعتها المرقطة بالأسود تلمع في الضوء. همس وهو يرفع العدسة المكبرة: "التدوين الأول: مسافر على طوّافة من ورق الشجر". ضحكت ليلى ودونت الملاحظة.
تبعا الخريطة إلى بوابة الحديقة. فاحت منهما رائحة التربة والطماطم، دافئة ونفاذة. كانت النحل تطن كأنها محركات لطيفة. وقفت السيدة "ريفيرا" بين السيقان الطويلة مرتدية قبعة عريضة مرسوم عليها زهور.
نادت: "أيها المستكشفون! كنت أفكر للتو أنني بحاجة إلى طاقم عمل".
قال جمال وهو ينفخ صدره قليلاً: "نحن في رحلة استكشافية".
قالت السيدة "ريفيرا" مبتسمة: "هذا رائع. هذه الطماطم بحاجة إلى دعامات. إنها تتدلى مثل أخطبوطات متعبة".
تفحّص جمال الكروم. كانت بعض السيقان متدلية، مثقلة بالثمار الخضراء. قطع أطوالاً من الخيط وربطها بالدعامات. انزلقت عقدته الأولى، ولامست حبة طماطم التراب.
قطبت ليلى حاجبيها. "أوه".
اقترحت السيدة "ريفيرا": "جرّب عقدة مربعة"، وأرته بأصابعها ثم تركت جمال يجرب. عقد حاجبيه، وعقد الخيط، وشده. هذه المرة، ثبتت العقدة بإحكام وأناقة. تحرك على طول الصف، أسرع الآن، والخيط يهمس وهو يشتد. استقام كرم متدلٍ وحمل ثماره عالياً.
قالت السيدة "ريفيرا": "انظر إلى ذلك. لقد أنقذت وجبة خفيفة لشهر أغسطس".
شعر جمال بالدفء والشموخ يملآن صدره. نفض الغبار عن يديه وابتسم.
قال: "حان وقت الأداة"، وسحب علبة حبوب الإفطار. قاما هو وليلى بقص نافذتين مربعتين عند طرفين متقابلين وثبّتا مرآة في كل منهما بزاوية. في المحاولة الأولى، بدت وجوههما متمايلة ومنقسمة كبيت المرايا في الملاهي.
ضحكت ليلى: "يا إلهي، أنفي جانبي".
قال جمال وهو يحرك المرآة بلطف: "زد من ميلانها". نظر مرة أخرى. ظهر الجزء العلوي من السياج، على الرغم من أنه كان يمسك بالعلبة عند مستوى صدره. لقد نجح المنظار.
ضحك ضحكة حادة ومشرقة، لأول مرة في ذلك اليوم. "اكتملت تكنولوجيا المستكشف".
لوّحا وداعاً وتابعا النجمة التالية على الخريطة إلى الرصيف المغطى بالطباشير بجوار منزل صديقهما "ماتيو". أشارت أسهم زاهية إلى رسالة: "ابحث عن الشريط الفضي. ترقب تاج الملك". كان هناك رسم صغير لقبعة صغيرة شائكة.
قالت ليلى: "تاج الملك؟" وضعت يديها على رأسها وسارت في مكانها.
قال جمال ببطء، وهو يفكر في نبات الصقلاب بجانب السياج: "الفراشة الملكية. الملك هو المونارك. والجدول هو الشريط الفضي".
تتبعا الخط المتموج على خريطتهما وصولاً إلى الأشجار. بردت الأجواء تحت الأوراق. كانت المياه تثرثر فوق الحجارة. وانكسر ضوء الشمس إلى عملات معدنية على السطح.
على الضفة، وجدا شيئاً ليس لامعاً: أكواب، غلاف حلوى، وكيس بلاستيكي عالق بين الصخور.
امتعض وجه جمال. سحب كيساً فارغاً من حقيبته وربطه بحزامه. قال: "مهمة إنقاذ. ثلاث دقائق. هل أنتِ مستعدة؟"
أدت ليلى التحية. تسلقا على طول الحافة، يلتقطان القمامة ويضعانها في الكيس. انزلق جمال مرة وتمسك بجذر. لطخت بقعة طين راحة يده. لكنه لم يتوقف.
صاح: "عشر ثوانٍ أخرى!" امتلأ الكيس وخشخش. حام يعسوب بالقرب من كتفه، وأجنحته تشبه الزجاج الملون.
ربطا الكيس ووضعاه بجانب سلة المهملات. كان نفس جمال يتسارع، لكنه شعر بالرضا، وكأن رئتيه تصفقان.
تحت غصن منخفض، كان شيء أخضر شاحب يتدلى من غصين. كان أملساً وصلباً، وبه خط ذهبي رفيع كقلادة.
همست ليلى: "واو، جوهرة".
اقترب جمال وخفض صوته. قال: "إنها شرنقة. لفراشة ملكية".
سُمعت خطوات خلفهما. كانت السيدة "ريفيرا" قد تبعتهما ومعها دليل ميداني صغير تحت ذراعها. قالت وهي تقلب الصفحات: "لقد سبقتماني". أشارت إلى صورة. "تبدو جاهزة تقريباً. عندما يصبح لونها أغمق، فهذا يعني أن الوقت قد اقترب".
رسم جمال الشرنقة في دفتر ملاحظاته. كتب: "تحت غصن القيقب، بالقرب من الصخرة المسطحة". مزق صفحة وثبتها على الغصن بملاحظة لطيفة: "يرجى حماية هذا المكان. هناك فراشة ستأتي قريباً".
التقطت السيدة "ريفيرا" صورة لجمال وهو يقف بجانب دعامة الطماطم الثابتة وأخرى لكيس التنظيف بجانب الجدول. قالت: "المستكشفون يحتاجون إلى سجلات".
توجها إلى المنزل في ضوء النهار المتأخر. بدأت صراصير الليل تعزف في العشب. تحولت السماء إلى لون الخوخ الناضج.
في ذلك المساء، ضجت دردشة الفصل. كتب أحد الأصدقاء: "طوابير لا نهاية لها". وأرسل آخر صورة لباب معرض مغلق مع وجه حزين. نشر جمال رسمه للشرنقة، وصورة اليعسوب، والفيديو الذي صورته السيدة "ريفيرا" لكرم الطماطم وهو يقف شامخاً.
كتب "ماتيو": "واو، رائع. تاج الملك!"
سأل أحدهم، بعد أن رأى علبة حبوب الإفطار على الشرفة: "هل هذا منظارك؟"
رد جمال: "نعم. صنعته بنفسي". تحركت أصابعه بسرعة وثقة.
انسكب ضوء الصباح على الحديقة كصفحة جديدة. أسرع جمال وليلى إلى الجدول بينما كانت الطيور تتشاجر في الأغصان. كانت الشرنقة أغمق الآن، ويظهر اللونان البرتقالي والأسود بشكل خافت من خلالها.
انتظرا. سار النمل عبر جذع شجرة قريب. وصاح طائر أزرق فوقهما. شعر جمال بثقل هاتفه في يده.
ثم انشقت القشرة من الأسفل. انزلق مخلوق مبلل ومتجعد وتمسك بالغطاء الفارغ. كانت أجنحته صغيرة ومجعدة، كوشاح مطوي.
تنفس جمال: "أوه". ضغط على زر التسجيل. مرت دقائق. تمددت الأجنحة وأصبحت ملساء، واللون البرتقالي يزداد توهجاً كل ثانية. سقطت قطرات صغيرة كالمطر من ورقة شجر.
وجدت يد ليلى يده. لم يتكلما. شاهدا فقط بينما فتحت الفراشة الملكية أجنحتها الجديدة وأغلقتها، تختبرها كطفل يجرب حذاءً جديداً.
أخيراً، ارتفعت في الصباح وانجرفت نحو نبات الصقلاب. أنزل جمال الهاتف. لم يلاحظ الطين على ركبتيه أو الغصين العالق في شعره. كانت ابتسامته راسخة وخفيفة في نفس الوقت.
في المدرسة، وقف معلمه، السيد "كيم"، عند الباب بينما كان الطلاب يعودون. كانت حقائب الظهر تحدث ضجة. وارتفعت الأصوات وانخفضت.
قال السيد "كيم": "أهلاً بعودتكم أيها المستكشفون". رأى يد جمال المرفوعة. "هل لديك شيء لمشاركته؟"
أومأ جمال وسار إلى الأمام. كانت خطواته ثابتة. رفع دفتر ملاحظاته، ثم نقر على هاتفه. انحنى الفصل للأمام بينما عُرض الفيديو: الانشقاق، التمدد، الرفرفة البطيئة الأولى.
ساد صمت في الغرفة. همس أحدهم: "مستحيل".
تجعدت عينا السيد "كيم". "هل ستخبرنا كيف وجدتها؟ وماذا فعلت بالأمس؟"
أخبرهم جمال عن الأهداف في قائمته، والعقد التي صمدت، والمنظار الذي أظهر أخيراً قمة السياج، وكيس التنظيف الذي خشخش كالتصفيق. عرض خريطته بنجومها المعوجة. لم يتعجل. ترك الصور واللحظات تتحدث بنفسها.
عندما انتهى، رفع "ماتيو" يده. قال مبتسماً: "أفضل رحلة استكشافية".
عاد جمال إلى مقعده. من النافذة، تراقصت ورقة شجر في الشمس كجناح. فكر في الحافلات، والطوابير الطويلة، وشريط الجدول الفضي. ضغط على دفتر الملاحظات على طاولته وكتب سطراً جديداً في أسفل قائمته:
وضع تحته خطاً مرة، ثم مرتين، والحروف ثابتة كعقدة جيدة.