رفوف الرعاية، ووقت مستعار
عتبة باب، وجدول بيانات، وعضلات نسيت المدينة أنها تمتلكها
اقرأ المزيد ←
كان معطف مارتا يتصاعد منه البخار وهو يجف، يتلوى الدخان من كتفيها كشبح خافت لآخر رعد. تعلقت بالبهو، تحدّق عبر زجاج ملطخ بالملح، والمطر يتدفق في الخارج كصفائح ماء ثقيلة لدرجة أنها شوشت حتى رصيف الميناء المضاء بالنيون، فبدا كلوحة مائية. كانت الزيارة من المفترض أن تكون سريعة، مسح أخير للأدراج والصناديق، أشباح معبأة بعناية. بدلاً من ذلك، وجدت نفسها ملقاة على الشاطئ بفعل نوع من العواصف لا يمكن إلا للمنزل أن يُولدها: غيوم أرجوانية كلون الكدمات، ورياح حادة كذكرى. دفعت نفسها إلى قاعة الزفاف.
لم يرفع أحد رأسه. مرت بخطوات بطيئة بجانب رفوف المعاطف المغطاة بالتفتا، وغرباء متجمعين في مدار دافئ. تطايرت الضحكات، غنية بالشمبانيا وأضواء الشموع، ذات نكهة حادة من النكات الداخلية القديمة. ناولها أحدهم طبقًا وكأنها تنتمي إلى المكان، وكأن بلوغها الثانية والأربعين وإرهاقها من المطر كان مجرد نكهة أخرى في هذا الاحتفال. وجدت كرسيًا بجانب نافذة ضبابية، وركبتاها ما زالتا ترتجفان من البرد. كان مفرش الطاولة مطبوعًا عليه زهور الكوبية الزرقاء - من نفس النوع الذي زرعته والدتها كل شهر يونيو - وقطعة كعكة نصف مأكولة كانت تندي تحت توهج الأضواء الخرافية. للحظة، سمحت مارتا لنفسها بالذوبان. راحت تراقب الأخت الصغرى للعروس وهي تطلق ضحكات متقطعة، وأحمر شفاه عمّة يترك بقعة على منديل، وأحذية أصدقاء العريس تنقر في توافق ماكر. كانت غير مرئية: معطف رطب، ابتسامة مستعارة.
ثم انبعثت النغمات البطيئة الأولى لأغنية 'إستريليتا' بهدوء من مكبرات الصوت، بينما كانت شاشة العرض تومض بصور طفولة، ورحلات صيد، وصبي بابتسامة منحنية. تلاشت معالم الغرفة حولها. ذلك الوجه - الأنف المرشوش بالنمش، العينان الخضراوان جدًا، الهلال الشاحب الرقيق بجانب أذنه اليسرى. سكن العالم، وكأن كل ضيف تذكر فجأة وعدًا بالاستماع. توقفت شوكتها، وهي في منتصف طريقها إلى شفتيها. لم يتغير كثيرًا. نظر العريس نحوها، مرتبكًا. في نوع من الصمت الذي يخيم فقط في الأعراس والمآتم، نهضت وسارت نحوه. قريبة بما يكفي الآن لعد كوكبات النمش، ولسماع الشك يتأجج حول أطرافه. 'لوسيريتو،' قالت. تسمّر في مكانه. لم يستخدم أحد هذا الاسم هنا. واجه كل منهما الآخر - الضيوف يتلاشون في موجات من الفضول المهذب - شيء قديم وحاد يعلق في الهواء بينهما. حامت يد العروس، مترددة. كان حلق مارتا ضيقًا، لكن ليس بالقدر الكافي لكتم الحقيقة. 'لم أقصد أن أفسد يومك،' تمكنت من القول. 'لكنني لم أستطع أن أتركك مرة أخرى، ليس هذه المرة.' فتح فمه، ثم أغلقه، ورمش مرة واحدة. ضحكة صغيرة لا إرادية. 'اعتدتُ سماع ذلك من خلف جدار غرفة نوم.'
انتقلا إلى الخارج، تحت مظلة مثقوبة. خفّ المطر وتحول إلى رذاذ. للحظة، كانت الأصوات الوحيدة هي تقاطر الماء، همس، وأنفاس. عقصت أصابع مارتا الخاتم الذي لم تعد ترتديه. دسّ يديه في جيوبه، وقفته حذرة ولكن لا توحي بالهرب. 'تعبت من عدم المعرفة،' قال أخيرًا. 'الأمر أشبه بغرف أظل أفتحها لكنني لا أجدك فيها أبدًا.' أومأت مارتا برأسها. 'بالنسبة لي، إنها أبواب عالقة. أتخيلك باثني عشر طريقة مختلفة - غاضبًا، سعيدًا، بالغًا. دائمًا بعيدًا عن متناول اليد.' ابتلعت ريقها. 'تبدو بصحة جيدة.' ضحك مرة أخرى، ضحكة قصيرة وخجولة. 'أنا بخير. غريب وجودك هنا. لا أعرف ما قاله لك أي أحد، لكن... كان منزلًا جيدًا. لم ألومك أبدًا. ليس حقًا.' صمت، سريع لكن عميق. تراقصت أضواء الشوارع، رائحة المطر، العشب الرطب، أثر محار من الشاطئ البعيد. 'هل أنتِ-' تردد. 'هل تودين شرب القهوة غدًا؟ لدي دوام عند الظهر، لكن...' أومأت برأسها، قبل أن ينهي كلامه تقريبًا. تداخل الارتياح والألم في أضلاعها. 'أود ذلك.'
استؤنف حفل الزفاف بدونها. راقبت توهج الشموع يتجمع على الرصيف، والنيون يتسرب إلى البرك. على الممشى الخشبي، الذي كانت ألواحه زلقة بالمطر، سارت مارتا بجانب ابنها - لم يمسكا أيدي بعضهما، وغير متأكدة تمامًا ما إذا كان بإمكانها أن تكسب ذلك أبدًا. كان صوته حذرًا، والحديث العادي بطيئًا وحازمًا، وكأنه يختبر الأرض تحت أقدام غير مألوفة. لم يحلا أي شيء - لا خطابات، ولا استسلامات عظيمة. لم يكن هناك سوى صوت الأمواج. خطواتهما المتطابقة. الألم الباهت الذي لا يوصف لحياتين شكلتهما الغياب، يضغطان ببعضهما البعض بحيث - مع مرور الوقت - قد يلتئم شيء ما. في تلك الليلة، استأجرت مارتا غرفة فوق المخبز القديم. راقبت شروق الشمس يصبغ الأفق بالزرقة، وقاعة الزفاف وقد أصبحت خالية وصامتة بالفعل. بقيت. فقط لوقت كافٍ لتتعلم - مستحيلًا كما بدا الأمر - أن الوجود، حتى لو كان غير مدعو، يمكن أن يكون عطاءً.