ملاحظات للغرباء، وشائج للديار
كبسولة زجاجية واحدة تلو الأخرى، تحوّل مارا الخسارة إلى ترابط
Read more →
كان مطراً من النوع الذي يتسلل على طول الساحل، يقرع كل نافذة ويُوقظ ذكريات كان من الأفضل أن تبقى مطوية. جلست مارا القرفصاء على السجادة الباهتة في غرفة معيشتها، والغيتار الصوتي المهترئ مستقر على حجرها – ورنيشه مقشر، أوتاره مرتخية، أثر لرجل بالكاد فهمته في حياتها. تحت الضوء الأصفر الخافت لمصباح مكتبها، قررت إنقاذ عنق الغيتار لمشروع رفوف. إيماءة عملية، قالت لنفسها، لا عاطفة؛ بقايا لشيء جديد. عبثت ببراغٍ صغيرة، لسانها محصور بين أسنانها، والهواء تفوح منه رائحة خافتة من الخشب القديم وعفن الخريف. وبينما كانت ترخي لوحة الحماية، تحررت بانطلاق وتنهيدة، كاشفة عن قصاصة ورق مطوية، بنية اللون ومُتصبِّغة على صدر الغيتار الأجوف. غريزتها الأولى: بريد دعائي، أو قصاصة من كتالوج. لكن الورقة ارتجفت بينما فتحتها، إبهامها يتتبع سطوراً كُتبت بخط رصاص متسرع:
إلى جون – سامحي الشتاءات التي أطلتها كثيراً. لو كانت يداي أصغر، لضممتكِ بقوة أكبر. لتكن الأوتار أكثر نعومة الآن. أنا آسف. – د. مارس 1999
قرأتها مارا مرتين. جون لم تكن أحدًا. لا في القصص، ولا في الميراث. لكن الاعتذار دار، لزجاً ومألوفاً، بنبرة صوت عرفتها ذات مرة. ضغطت الرسالة على صدرها، وفي مكان عميق، تحرك شيء – مثل همهمة أغنية تهويدة ظنت أنها تجاوزتها.
فجأة، وجدت مارا نفسها تصغي. لصوت المطر وهو ينزلق على النافذة. لنبض المدينة البطيء في الأسفل. للألم الخفي الذي يتلوى بين الصناديق المكدسة في علّيّة والدتها، حيث ومضت خلف عينيها شتاءات نصف منسية، وأرجوحة شرفة، ويدَي جدها الخشنتين على لوحة الأوتار. أرسلت رسالة نصية إلى جين – جارتها في الطفولة، وهي الآن معلمة فيزياء في أريزونا: مرحباً، سؤال عشوائي. هل ذكر الجد يوماً شخصاً يدعى جون؟ جاء الرد سريعاً: لا، لماذا؟ هل وجدت حبيبة له في وصيته؟ ابتسمت مارا نصف ابتسامة. أغمضت عينيها، مطاردةً الذكرى – ليس اسماً، بل صوتاً: جدها يهمهم من بين أسنانه، يراقب الثلج يتراكم على أعمدة السياج. امتد صمت بين الأبيات الشعرية ليطول كل عام، وتضرب جذوره عبر عشاءات الأعياد والرسائل الصوتية التي لم يُرد عليها. على مدى الأيام التالية، نبشت مارا صناديق في العلية – صور مدرسية ملتصقة بالقدم، أشرطة كاسيت مهترئة، بطاقات عيد ميلاد، خط يد والدتها يلتف بحبر أزرق: قبل أن يتوقف أبي عن الغناء، اعترفت إحدى البطاقات في الحافة السفلية، وكأنها تخجل من الاعتراف بالرقة.
اكتسبت بعد ظهائر السبت نكهة معدنية: قهوة الوعاء الضاغط، قعقعة الأكواب في المقهى الزاوية. راحت مارا تراقب كتاب الأغاني المحليين وهم يعبثون بالأوتار تحت مصابيح إديسون الخافتة، تاركة الحنين يصدح في أرجاء الغرفة. الغيتار المهترئ – رفيقها مرة أخرى – استقر عند قدميها، مرساة محرجة ومطمئنة في آن واحد. أومأ باريستا برأسه نحو غيتارها. 'يبدو أن مارتن القديم هذا شهد الكثير من القصص، أليس كذلك؟' تتبعت مارا ملصقاً نصف مقشور من العنق. 'ربما أكثر مني'. أخرجت الرسالة من جيبها، باحثة عن خيوط الفهم في كل حرف متعرج. مؤرخة عام 1999. كانت ستبلغ السابعة – كبيرة بما يكفي لتتذكر كيف كان صوت والدتها يخفت عند ذكر اسم جدها. بحثَت في جوجل عن سطور القصيدة في منتصف الليل، فلم تجد سوى صدى بحثها الخاص. ذات مساء، اتصلت والدتها للمرة الأولى منذ شهور – بالصدفة، مكالمة جيب كادت مارا أن تدعها ترن دون رد. بدوافع لحظية، أجابت، وبعد دقائق من الدردشة المتوقفة، شقت الصمت قائلة: 'هل دعاك الجد يوماً يا جون؟' حبست والدتها أنفاسها، هبة هواء عبر الخط. 'لا... لكنه كتبها مرة. على أغنية، قبل أن يرحل. لطالما ظننت أنها زلة، أو ربما اسم تمنى لو أنني حملته. لم يكن - جيداً في التعبير بالكلمات في النهاية'. التفت يدا مارا غريزياً حول الغيتار. 'وجدت رسالة. في فتحة الصوت'. صمتت والدتها. 'لم أسمعه يقول آسف قط. ولا مرة'. أومأت مارا برأسها، حتى وهي تعلم أن والدتها لا تستطيع الرؤية. 'ربما كانت هذه هي الطريقة'.
في حفل المايك المفتوح التالي، شعرت بالغيتار الصوتي المهترئ غريباً في ذراعيها، غريباً كالألم الذي يتلوى في صدرها. اسمها الذي تردد صداه من كابل السماعة بدا ناعماً جداً، قريباً جداً من الفتاة التي علّمت الأطفال ذات مرة كيف يصفقون بإيقاع – لكن مارا سارت نحو المايك على أي حال، أصابعها ترتجف فوق الحواجز المحفورة. مسحت حنجرتها، نظرتها تمرّ على الوجوه – غرباء ورواد مألوفين، الباريستا يلوح بيد مشجعة. وضعت قصاصة القصيدة المطوية أمامها، كتميمة. ثم، بهدوء، تحدثت: 'جدي كتب رسالة لاسم خاطئ. لكنها كانت موجهة لشخص يحتاجها. أعتقد أننا جميعاً نفعل ذلك أحياناً'. عزفت – إحدى الأغاني التهويدية التي كانت شبه مفقودة في العلية، اللحن ينحني مع السنين. صوتها لم يرتفع، لكنه ملأ الغرفة، دافئاً كضوء الشتاء. وبينما كانت تغني، تخيلت يدي والدتها وهما تصفّان بطاقات عيد الميلاد، ظل جدها على الشرفة، وكل الرسائل، المفقودة وغير المنطوقة، تتردد صداها.
عندما تلاشى الوتر الأخير، تركت مارا الصمت يستقر حولها – ليس فارغاً، بل مفعماً بالأشياء التي لم تُقل. جمعت الغيتار بلطف، كفها تتوقف حيث كانت لوحة الحماية، وعادت إلى المنزل في ليلة تكاد تكون خالية من المطر. في شقتها، تركت الغيتار سليماً. ضغطت الرسالة في الداخل مرة أخرى – وهي الآن مفتوحة، الاعتذار يتنفس هواءً جديداً. لم تكن تعلم ما إذا كانت والدتها ستعزف مرة أخرى، أو ما إذا كان الغفران يدفأ بسهولة على مر السنين. لكن بينما أعادت مارا الغيتار بجانب نافذتها، أصغت – للصمت، للذكرى، للأمل الصغير والشجاع بأنه في بعض الأحيان، يكون الاسم الخاطئ مجرد بداية للاستماع.
كبسولة زجاجية واحدة تلو الأخرى، تحوّل مارا الخسارة إلى ترابط
Read more →